الرئيسية  |  مقالات  |  أخبار  |  أخبار المهجر  |  تربية ومجتمع  |  شرق إفريقيا  |  مختارات صحفيه  |  حوارات  |  تاريخ وتراجم
لم أطلب اللجوء! PDF طباعة البريد الإلكتروني
الثلاثاء, 10 نوفمبر 2009

"كلما أسأت التصرف، أنا أو أحد إخوتي، أو وقعت مشكلة ما في بيتنا أو أتت مواسم رمضان والأعياد الإسلامية والمناسبات الوطنية، أو تصدّرت أخبار الصومال وسائل الإعلام، أو أتانا قادم جديد من البلاد.. بل في بعض الأحيان، من غير سبب معين، اعتدت على سماع هذه العبارة من والدايّ: سنعود إلى الوطن، سوف نعود إلى الصومال، وستيغير كل شئ إلى الأفضل! لكننا- رغم هذا التأكيد الأقرب إلى التهديد، الذي اعتدت على سماعه تسعة عشرة عاما- لم نعد إلى الوطن، ولم يتغير أي شئ في الصومال إلى الأفضل، ومازلنا نعيش في النرويج!".Image

هكذا عبرت لي عن بعض مشاعرها تجاه الوطن، حين تحدثت إليها على هامش زيارتي إلى النرويج. فتاة صومالية في التاسعة عشرة من عمرها، فتحت عينيها على أوسلو، ولم تعرف من الصومال شيئا، عدا صور قاتمة تبثها وسائل الإعلام العالمية، أو قصص متفرقة سمعتها من هناك وهناك، يجمع بينها طابع المأساة الراهنة، والحنين إلى أيام جميلة ماضية، يتحدث عنها الكبار بشغف آسر، لا يدري الصغار كنهه، ومع ذالك فقد عاشت حياتها كلها - راغبة أم مكرهة .. لا يهم! - في ظل حلم غامض اسمه: "العودة إلى الصومال".

لم تكن تلك الفتاة الشخص الوحيد الذي رأيته يتحدث عن العودة إلى الصومال، بل إن جلّ من قابلتهم من الجالية الصومالية في أوسلو، على اختلاف أعمارهم وتوجهاتهم ومستويات تعليمهم والمناطق الصومالية التي أتوا منها، كانوا يعزفون على هذا اللحن الشجيّ، ورأيت من يبكي بأسى على سنوات الإغتراب، ويتحدث بحسرة عن "الفردوس المفقود"..عن الصومال.

صحيح أن طعم الإغتراب مرّ، وصحيح أن تراب الوطن غال، وصحيح أن النفوس تهفو إلى نسمات الأرض، وعبق الأهل، وصحيح أن الوطن أنشودة عذبة ترددها أرواحنا المولعة بحبه ... ولكن هل نعبر بصدق و واقعية و وضوح عن ارتباطنا بالوطن.. وتراب الوطن؟! أم أن الأمر لا يعدو أنينا وآهات شجيّة، وقطرات من الدموع السخيّة؟

هكذا تساءلت بيني وبين نفسي وأنا أستمع إلى بكائية جماعية، عنوانها: العودة إلى الوطن!

كثير من الصوماليين الذين يعيشون في أوروبا لا يدرون أنهم يعيشون في أوروبا فعلا! فالعقلية الصومالية لم تتغير لدى كثير منهم. تلك العقلية التي ما زالت تنتظر حدوث "المعجزة الكبرى" لحل أزماتنا المتراكمة، وتكتفي بلعن الحاضر البائس، وتكيل السباب للمجرمين الذين اختطفوا الوطن في غفلة من أهله، وترفع بعجز وقلة حيلة أكف الضراعة إلى الله سبحانه وتعالى ليعجل بظهور "المعجزة الكبرى".

هناك في النصف الغربي من الكرة الأرضية، حيث التقدم العلمي والتطور التقني والاستقرار السياسي، وجدت نماذج صومالية مشابهة لتك التي أراها في مقديشو، وفي نيروبي. نماذج لا تسر العين، ولا تفرح القلب، ولا ترفع الرأس!

شاهدت بعض شبابنا يتسكعون في الطرقات وفي المقاهي، يتبادلون نفس الأحاديث الهابطة التي تؤخر ولا تقدم! وأسرا مشتتة مفككة، الشغل الشاغل للأب والأم فيها جمع أكبر قدر من النقود مما تدره عليهم مؤسسات الرعاية الاجتماعية النرويجية، ولو كان السبيل إلى ذالك تلفيق الأكاذيب بطلاق مزيف، وإنكار شرعية أطفال ولدوا في الحلال!

أزواج يتزوجون في السرّ على زوجاتهم، أو يتنكرون لواجباتهم الأسرية، وزوجات يستعنّ بالقانون وبالسلطات الرسمية للإنتقام "لكرامتهن المجروحة"، وأطفال ومراهقون يعانون من أزمة الهوية والإنتماء، ويفتقدون إلى الإستقرار والإندماج.

ومتدينون - إن صح التعبير- يكيلون اللعنات ويدعون بالهلاك على أوروبا وأمريكا، ويحذرون المسلمين هناك من الإقتراب من "الكفرة الملاحدة" و الإختلاط بهم، أو المشاركة في إنتخاباتهم.

واختلافات قبلية وجبهوية عميقة، لا تجعل الجالية الصومالية هناك استثناءا من دوامة التشرذم والتفرق التي ابتلينا بها، حيثما كنا، نحن معشر الصوماليين!

 

أجمل ما في رحلتي تلك أنني عدت إلى القرن الإفريقي قبيل انتهاء تأشيرة دخولي إلى النرويج، ما أثار إستغراب الكثيرين من معارفي.. الذين لاموني بأنني أضعت فرصة ثمينة للعيش في "بلاد الأحلام"! لكنني لم أكترث كثيرا بإستغرابهم، فأنا فعلا أعيش على أرض أحلامي!

وبالرغم من وجود نصف ممتلء للكأس، يحيي بعضا من بواعث الأمل في النفوس القلقة، متمثلا في نماذج صومالية، تسعى بجهود فردية أو جماعية، من مختلف مواقعها في الحياة - آباء وأمهات، كادحون يبحثون عن اللقمة الحلال، تجمعات طلابية وشبابية، مساجد ومراكز إسلامية، جمعيات نسوية واجتماعية وغيرها-  تسعى لوضع بصمتها الإيجابية على حياة الجالية الصومالية في النرويج، وعلى المجتمع النرويجي ككل، فإن تلك الجهود الخيّرة ما زالت بحاجة ماسّة ومستمرة إلى الإرتقاء الفعّال، لكي تتصدّى لطوفان "البكائية الجماعية"، وأفواج المنتظرين "للمعجزة الكبرى"!

المشكلة هنا ليست - كما يعتقد أغلب الصوماليين- في هجرة الجموع الغفيرة إلى بيئة جديدة، ذات طبيعة وثقافة وأعراف وأنظمة وقوانين مختلفة، وليست كذالك -كما يردد بعض الصوماليين- في "الكفار البيض الأشرار" الذين يخططون لإستئصالنا من جذورنا، بل هي في المقام الأول مشكلة كامنة في تلافيف العقل الصومالي المتناقض. 

إنه العقل الذي يقر بالإسلام دينا، ثم لا يتورع عن الكذب والغش والتزوير والخيانة والإلتفاف على الأنظمة واللوائح، بدعوى أنه مضطر لذالك كي يحقق مصالحه الآنية.

إنه العقل الذي يصب اللعنات المزمجرة على من استضافوه و آووه ونصروه وحفظوا عليه دينه وماله وعرضه، بدعوى أنهم "كفار فاسقون"، في حين استباح أشقاء الدم والدين كل حرماته وأخرجوه من دياره.

إنه العقل الذي يدعو على البشرية بالهلاك والثبور وسوء المآل، بدعوى أنهم منحرفون عن الصراط المستقيم، ولم يسأل نفسه لماذا كان الحبيب عليه الصلاة والسلام يلحّ بالدعاء وهو مجروح مظلوم: "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون".

 إنه العقل الذي يبكي بحرقة على حال الوطن المحترق، ثم يرسل إلى الوطن آلاف الدولارات لإشعال مزيد من الحرائق. إنه العقل الذي يعزف لحن "العودة إلى الصومال"، لكنه في حقيقة الأمر غير عائد إلى هناك.

إنه العقل الذي لا يفكر كيف يؤسس مستقبلا زاهرا للأجيال الصومالية التي اتخذت من النرويج - وغيرها من دول أوروبا وأمريكا- وطنا لها، وكيف تصبح تلك الأجيال جزءا من تلك المجتمعات دون أن تفقد دينها وجميل أعرافها ومقومات أصالتها، وكيف تنشر إسلامها وتدعو إليه وتعرضه على الآخرين بالحكمة والموعظة الحسنة، بل على النقيض من ذلك، فالعقل الصومالي يحشو أذهان تلك الأجيال بأحاديث منمقة عن العودة إلى الوطن..وأيّة عودة؟! وأيّ وطن؟! فلا هم عادوا، ولا هم استقروا حيثما كانوا ! والطامة الكبرى أنهم لم يتركوا الوطن لحال سبيله! Image

أجمل ما في رحلتي تلك أنني عدت إلى القرن الإفريقي قبيل انتهاء تأشيرة دخولي إلى النرويج، ما أثار إستغراب الكثيرين من معارفي.. الذين لاموني بأنني أضعت فرصة ثمينة للعيش في "بلاد الأحلام"! لكنني لم أكترث كثيرا بإستغرابهم، فأنا فعلا أعيش على أرض أحلامي! غمرتني سعادة لا توصف بعد عودتي.. وأحسست بالإعتزاز لأنني عدت، وكلي ثقة إن شاء الله، أنني سأشارك في بناء جسر الأمل والعودة الذي سعبر فوقه الكثيرون من كافة أنحاء العالم إلى الصومال! ولذلك فقط...لم أسلّم نفسي للسلطات النرويجية في أوسلو، ولم أطلب اللجوء!

للتواصل:

\n This e-mail address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته  
*كاتبة صومالية-ماجستير في التاريخ والعلوم السياسية -نيروبي

 

تعليقات حول الموضوع

مقاله رائعععععه جداااا و اصابت الهدف
شكرا لك
الإسم *
البريد الإلكترونى
الغاء
avatar ورسنجلي اصـــيل
مقاله بصراحه ممتازه ولو تكرمتي أتحفينا بالمزيد .
الإسم *
البريد الإلكترونى
الغاء
Bookmark and Share
- المشاركة يجب أن تلتزم بالمادة المنشورة والمختار التعليق عليها، وبخلافه سيتم إهمال التعليقات التي تكون خارج الموضوع.
- يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.
المشاركة لاتتجاوز عن 1000 حرف - الأحرف المتبقية1000
الإسم *
البريد الإلكترونى
Last Updated on الخميس, 10 ديسمبر 2009