|
الدين والسياسة في الصومال بقلم : د. حمدي عبدالرحمن |
|
|
|
|
السبت, 12 ديسمبر 2009 |
الأهرام -إن حلم الامارة الإسلامية ووجود محاربين اجانب في صفوف حركة الشباب المجاهدين في الصومال قد عزز من الاعتقاد القائل بأننا امام نموذج طالبان اخر في منطقة القرن الافريقي, غير ان واقع الحال يؤكد ان مايحدث هو في جوهره نوع من الاحتجاج والتمرد الذي تحركه اجندات سياسية بالاساس, ويؤكد ذلك تبني الشباب المجاهدين اسلوب الهجمات الانتحارية للتخلص من الخصوم السياسيين كما حدث للمرة الثالثة هذا العام في تفجيرات مقديشو الأخيرة التي راح ضحيتها عدد من الوزراء الصوماليين في حكومة شيخ شريف.
ويلاحظ ان ديناميات الصراع في الصومال علي الرغم من طابعها العبثي والفوضوي في اغلب الاحوال منذ عام1991 ـ قد شهدت تحولا مهما خلال العامين المنصرمين, إذ لايخفي ان الصومال, الذي تشكل الخطوط العشائرية وعلاقات الدم الاساس الذي يحافظ علي لحمته وتجانسه, يتسم بتبني نمط من الإسلام المعتدل وان كان بمسحة صوفيه عامة, يبد ان حركة الشباب المجاهدين جاءت برؤية جامدة وتفسير ضيق لتعاليم الإسلام, وهو الامر الذي جعل البعض يقارب بينها وبين نموذج طالبان في افغانستان, ونظرا لسيطرة الشباب علي معظم مناطق جنوب الصومال فإنهم فرضوا تلك الرؤية المتشددة للإسلام مما جعل العامة والبسطاء من الصوماليين يضيقون بهم ذرعا, ولا ادل علي ذلك من قيام إدارة حركة الشباب المجاهدين في مدينة كسمايو بتحويل كنيسة كاثوليكية قديمة إلي مسجد فضلا عن تحطيمهم لمراقد ومقابر بعض مشايخ الصوفية المعروفين في المدينة بحجة انها تتنافي وتعاليم الإسلام.
لقد اضحي التطور الحاصل في ديناميات الصراع يتمثل في ظهور متغير الدين من خلال جماعات الإسلامي السياسي التي تنطلق من رؤيتها الإسلامية وتتخذها اساسا للتغيير المنشود في الواقع الصومالي.
وبعد انتخاب شيخ شريف رئيسا انتقاليا للصومال في يناير2009 يمقتضي اتفاق جيبوتي للمصالحة الوطنية في الصومال حدثت حالة من الاستقطاب الحاد في ساحة الصراع الصومالي, فقد اضحي يدور بالاساس بين جماعات إسلامية تتبني رؤي وقناعات ايديولوجية متباينة, وتعد حركة الشباب المجاهدين اقوي جماعة مسلحة ومدربة تدريبا عاليا في الصومال, وتخضع الحركة في بنيتها التنظيمية والعقائدية لنظام دقيق وصارم كما هو الحال بالنسبة للتنظيمات الجهادية التي تسلك طريق التغيير العنيف.
ومن الناحية العملية تتألف الحركة من مجموعة من الخلايا تغطي كل منها منطقة معينة, وهي تخضع لقيادة مستقلة, وتسمح سياسة الحركة لكل قائد عسكري بأن يتولي إدارة الاقاليم المحررة وفقا لاستراتيجيته العسكرية ورؤيته الخاصة, ولعل ذلك يمثل إحدي نقاط القوة لهذه الحركة, حيث ان غياب القيادة العليا في التنظيم لاتؤثر تأثيرا حاسما علي قوة الحركة وفعاليتها.
وإذا نظرنا للحركة من الناحية الرأسية لوجدنا انها تنقسم إلي فرعين اساسين اولهما هو جيش العسرة والذي يمثل الجناح العسكري, اما الثاني فهو جيش الحسبة والذي يمثل الذراع الادارية المسئولة عن فرض النظام والقانون في المناطق التي تخضع لسيطرة الحركة, وتشير بعض التقارير الاستراتيجية الغربية إلي وجود بعض المقاتلين الاجانب ولاسيما من الولايات المتحدة وأوروبا ووسط آسيا حيث يحاربون في صفوف الشباب المجاهدين.
ويمكن القول إن الشباب المجاهدين ينظرون إلي انفسهم باعتبارهم حركة تحرر وطني ذات قناعات ايديولوجية إسلامية. صحيح أن الحركة تضم في صفوفها من يهدف إلي الحصول علي مكاسب اقتصادية أو سياسية أو حتي محاربة قوات الحكومة الانتقالية التي توصف بأنها تدافع عن المصالح الإثيوبية والغربية في الصومال إلا ان أغلبية اعضائها يؤمنون بالايديولوجية الإسلامية الجهادية التي تسعي إلي اقامة دولة الخلافة في الصومال وتحارب اعداء الإسلام وتقاوم آثار النفوذ الغربي.
وتسعي الحركة كذلك إلي إحداث تغيرات ثورية في بنية المجتمع الصومالي بحيث يتم تجاوز بنيته العشائرية والقبيلة من خلال توظيف المفاهيم الإسلامية حسب فهم الحركة, لقد حافظ الشباب المجاهدون علي نفس استراتيجية المحاكم الإسلامية من خلال الاعتماد علي نظام المحاكم الشرعية لفرض النظام والقانون وسد فراغ السلطة وتقديم الخدمات الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين.
علي ان الساحة الصومالية شهدت تحولا فارقا في أوائل هذا العام, حيث قررت حركة اهل السنة والجماعة ـ وهي حركة صوفية مسلحةـ الوقوف في وجه مقاتلي الشباب المجاهدين, وتمكنت من طردهم وإبعادهم عن كثير من المدن في وسط الصومال, وبدورهم قام اهل السنة والجماعة, من خلال التعاون مع مسئولي الامم المتحدة ووجهاء العشائر المحليين بادارة المناطق التي تحت قبضتهم, مستفيدين من دعم وتأييد السكان المحليين. ويمكن القول اجمالا ان دخول أهل السنة والجماعة في خضم الصراع الذي تشهده الصومال يحمل العديد من الدلالات والآثار التي تقوض دعائم سلطة الشباب المجاهدين, كما يمكن في الوقت نفسه ان يشكل خطورة علي الحكومة الصومالية الانتقالية في المدي البعيد, ونستطيع الاشارة إلي دلالتين مهمتين:
أولا: ان سيطرة الشباب المجاهدين علي مناطق واسعة في جنوب ووسط الصومال وبعض احياء العاصمة مقديشو لايعني بالضرورة مدي قوة وتأثير أفكار هذه الحركة وجاذبيتها لدي المواطنين الصوماليين, انها تعكس حالة الفراغ التي تعيشها الصومال وعدم وجود أي قوة حقيقية تمثل تحديا لها. ويري البعض أن سلطة الشباب المجاهدين وقوتهم العسكرية تعتمد بالاساس علي ضعف وعدم فعالية الحكومة الانتقالية التي لاتحظي إلا بدعم المجتمع الدولي, ومن جهة أخري فإن المقومات التي اعتمدت عليها حركة الشباب المجاهدين في كسب التأييد الشعبي لم يعد لها وجود, فالاحتلال الاثيوبي قد انتهي بانسحاب اخر جندي اثيوبي من الصومال, كما ان حكومة شريف قد اقرت وطبقت قوانين الشريعة الإسلامية وربما يدفع ذلك كله إلي إضعاف وعدم مصداقية الخطاب الذي تطرحه حركة الشباب المجاهدين بما يؤدي في النهاية إلي تقويض سلطتها في المجتمع الصومالي.
ثانيا: افضت السياسات المتشددة للشباب المجاهدين المتعلقة بتطبيق الحدود بصورة حرفية مثل الرجم والجلد علي تراجع التأييد الشعبي بشكل مستمر, وقد تم التعبير عن الغضب الشعبي بصورة علنية ومتكررة, وعلي سبيل المثال خرج آلاف الاشخاص إلي الشوارع في مارس الماضي احتجاجا علي قرار الشباب بتحريم نبات القات.
والرأي عندي ان الشباب المجاهدين وقعوا في خطأ بالغ من خلال مبالغتهم في إجراءات الترهيب والتعذيب بحق مناهضيهم, وقد ظهر ذلك بجلاء من خلال تبني اسلوب العمليات الانتحارية واعمال الاغتيال لبعض كبار الشخصيات السياسية والعشائرية.
وأيا كان الأمر فان التحالف الهش بين الشباب المجاهدين والحزب الإسلامي تحت زعامة الشيخ حسن ضاهر عويس قد يفضي إلي إحداث تحولات كبري في فكر الإسلاميين الصوماليين, وهنا يمكن الحديث عن ظهور حركة إسلامية اكثر برجماتية يقودها رئيس مجلس شوري المحاكم الإسلامية سابقا.
علي أن مكمن الخطورة يظل في عدم قدرة اي طرف من الاطراف المتصارعة في الصومال علي تحقيق الحسم العسكري لمصلحته, يعني ذلك ان حالة الغموض وعدم الاستقرار سوف تظل تشكل العنوان الأبرز للمشهد الصومالي علي المدي المنظور!. الأهرام 44929 | السنة 134-العدد | 2009 | ديسمبر | 10 | 23 من ذى الحجة 1430 هـ | الخميس |
|
تعليقات حول الموضوع
- يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.